عبد الوهاب الشعراني
511
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
[ النهي عن ادعاء العلم إلا لغرض شرعي : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا ندعي العلم إلا لغرض شرعي ، ولا نقول أبدا نحن من أعلم الناس لا بلساننا ولا بقلبنا ومن أين لنا ذلك ونحن نعلم أن في بلدنا من هو أعلم منا فضلا عن الإقليم الذي نحن فيه ثم إذا جرى القدر علينا بدعوى العلم ولو في وقت غيظ فالواجب علينا أن نبادر إلى التوبة والاستغفار على الفور خوفا من نزول المقت علينا من اللّه عز وجل ، وهذه مصيبة لا يبتلى بها أحد وهو عاقل أبدا ، فإنه ما من علم طالع العبد فيه وأحاط ببعضه علما إلا وسبقه إليه إلى وضعه علماء ربما لا يصلح أن يكون هو من طلبتهم . وقد ادعى شخص مرة العلم وقال : واللّه لا أعلم أن أحدا من أبي بكر الصديق إلى عصرنا هذا أعلم مني في علم من العلوم ، فقام إليه شاب صغير لا لحية له فقال هل أنت أعلم من الإمام الشافعي ؟ هل أنت أعلم من سيبويه ؟ هل أنت أعلم من أئمة الأصول ؟ هل أنت أعلم من علماء المعاني والبيان ؟ هل أنت أعلم من أئمة التفسير ؟ هل أنت هل أنت ، وهكذا فما دري المدعي ما يقول فافتضح في المجلس . وسمعت شيخنا شيخ الإسلام زكريا رحمه اللّه يقول : بلغنا أن محمد بن جرير الطبري ألف تفسيرا ألف مجلدة ضخمة وكان محفوظه من متون العلوم نحو حمل مائة بعير . وكان ابن شاهين يقول : كتبت من المؤلفات ما لا أحصي عده وحسبت الحبر فبلغ ألفين من القناطير . وكان بعضهم يقول : لو كتبت ما في صدري ما حمله مركب ، ولم يزل في كل عصر علماء حاملون العلم لا يجيء العلماء المشهورون من طلبتهم . وسمعت شخصا ضعيف الحال مثلي يقول : واللّه العظيم لا أعلم الآن في مصر كلها أعلم مني ولو أنني علمت لمشيت إليه واستفدت منه ا ه . ومثل هذا مجنون وأقل جزائه أنه حرم بركة علماء زمانه ومات بجهله . وقد رأيت شخصا يدعي القطبية يقول : أطلعني اللّه تعالى على دائرة الأولياء كلهم فلم أر فلانا منهم وأشار إلى شخص من صالحي عصره ، فقال له شخص في المجلس إن كنت صادقا فقل لي كم في لحيتك من شعرة ؟ فما دري ما يقول وخجل بين الناس وإذا كان اللّه تعالى نهى العلماء عن دعوى العلم مع علمهم فكيف بمن يجهل ويدعي العلم مع الجهل . وحكى لي شيخنا شيخ الإسلام زكريا رحمه اللّه قال : اجتمع يوما في مجلس الحسن البصري رضي اللّه عنه خمسمائة محبرة تكتب عنه العلم ، فحصل له بعض عجب في نفسه فقال لا تسألوني في هذا المجلس عن علم من العلوم إلا أخبرتكم به ، فقام إليه صبي أمرد ضعيف يتوكأ على عصا فقال يا سيدي قد سمعنا قولك فهل للناموسة كرش أو مصران ، فتغير لون الحسن واصفر ثم حمل من ذلك المجلس مغشيا عليه فمات بعد ثلاثة أيام ا ه . وذكر الشيخ الكامل محيي الدين بن العربي رضي اللّه عنه عن نفسه أنه كان راكبا